ككل الصباحات في تلك المدينة التي يملأها الفقر ، يستيقظ ابو ثورة على وقع صياح ونياح ثورة على أمها التي لا تطعمها جيداً.
ثورة هي الطفلة الصغيرة والحيدة لأبيها.
بعد أن ينهض ابو ثورة من فراشه ويغتسل، يجلس مع العائلة الصغيرة لتناول الفطور ، يردد الكثير من الكلام الثوري أثناء الأكل ، الكلام المكرر الذي تسمعه أم ثورة كل يوم الى درجة أنه يسد شهيتها للأكل، فطالما ما كان يردد أقوال جيفارا ومنها " اذا فرضت على الانسان ظروفاً غير انسانية ولم يتمرد ، سيفقد انسانيته شيئاً فشيئاً " ولا يكتمل الافطار بدون أن يذكر البيت الشعري المألوف لأبي القاسم الشابي :
إذا الشعب يوماً أراد الحياة - فلا بد أن يتسجيب القدر
تعود على أن يهمس في أذن أبنته الكثير من الكلام الثوري قبل أن تذهب لمدرستها ، كان يتمنى أن ينغرس هذا الكلام في داخل ثورة لينبت منه مبادىء ثوريةً تحارب الظلم وتدافع عن المظلومين ، تنتفض على كل شيء من الأم مرورا بالمدرسات الى الحكام وغيرهم.
بعد الافطار يرتدي بطلنا الثوري المغوار ملابسه ثم يتصفح حسابه الشخصي على الفيسبوك وينشر منشوره الصباحي المعتاد " صباحكم حرية يا رفاق الثورات " او يتفلسف في بعض الاحيان فينشر " صباح دفع المظالم والاستجابة للمطالب والقضاء على كل ظالم ظلم الناس من العامل الى المدرس فالطالب "..
بهذه الطريقة ينهي أبو ثورة جزءه الصباحي الذي يقضيه في البيت، بعدها يخرج أبو ثورة من بيته قاصدا مكان عمله وهو محطة اذاعية ثورية!
أعتاد ابو ثورة على أن يركب في الباصات عند ذهابه للعمل لأنه كان يمر بحالة تقشف لا تسمح له بأن يدفع أجرة تكسي يوميا.
في الباص صوت إذاعة ثورية غير التي يعمل فيها أبو ثورة
ينتبه أبو ثورة بشكل كبير لصوت المذيع آملاً بأيجاد زلة في كلامه تسمح له بأن يجعله أضحوكة لركاب الباص
المذيع : الو ويانة ابو محمد ، شلونك عزيزي
المتصل ابو محمد : الحمد لله بخير استاذ
المذيع : تفضل اطرح قضيتك عزيزي
المتصل : والله استاذ اني عندي معاملة اريد امشيها وصارلها اشهر واگفة
المذيع : عندك فيتامين واو ؟
المتصل : شنو تقصد استاذ
المذيع : عزيزي فيتامين واو الي هو الواسطة يشبه بالضبط فيتامين الكالسيوم* اذا ما عندك فيتامين واو ما تمشي معاملتك واذا ما عندك فيتامين الكالسيوم عظامك تتكسر وما تگدر تمشي!
انفجر أبو ثورة ضاحكاً واستغرب كل من في الباص من طريقة ضحكه !
بعد أن حاول أن يخفف من نوبة الضحكة
تنحنح أبو ثورة وقال بربكم كيف يقول هذا الاحمق الجاهل على الكالسيوم أنه فيتامين!
نوبة أخرى من الضحك بطريقة غريبة ثم أكمل حديثه : كيف يسمي هذا الشخص نفسه بأنه مذيع بإذاعة ثورية وهو لم يقدم الحلول المناسبة للمتصل!
لماذا لم يقل له قم بمظاهرة او اعتصم او أضرب عن الطعام والخ من ردات الفعل الثورية التي تعرفها حتى أبنتي الصغيرة ثورة.
سكت أبو ثورة ومرت لحظات من الصمت في الباص.
بعد أن قطع الباص نصف المسافة الى مكان عمل ابو ثورة ، ملامح زحام شديد تلوح في الأفق.
أصطفت الكثير من السيارات خلف بعضها بشكل يوحي لمن يراه أن هذا الزحام لن ينتهي بوقت قريب.
علق الباص في وسط الزحام من دون أن يعرف من في الباص سبب هذا الزحام ، مرت خمس دقائق فعشرة ثم نصف ساعة.
تذمر كل شخص في الباص وبمن فيهم أبو ثورة ، الشتائم وصيحات التذمر تتوالى من اول الباص الى آخره.
وجدت السيارات التي في مقدمة الزحام طريقاً فرعياً فدخلت فيه ، تحرك الباص ووصل الى بداية الزحام وقبل أن ينعطف ويدخل في الطريق الفرعي رأى أبو ثورة سبب الزحام ، وإذا بهم مجموعة من عمال النظافة يقطعون أهم شارع في المدينة!
أعتصم العمال في الشارع لأنهم لم يحصلوا على مستحقاتهم المالية منذ أشهر عديدة.
عدد من العمال الذين يرتدون ملابس رثة ،وجوههم كالحة، غيرت الشمس ألوانها.
نظر أبو ثورة إليهم بطريقة غريبة وقال : ما قيمة هؤلاء لكي يقطعوا أهم شارع في المدينة ؟
نفخ نفخة تدل على درجة عالية من التذمر وواصل كلامه : أين الشرطة ؟ أين مكافحة الشغب ؟
لماذا لا يقضوا على سبب الزحام ؟
هل يعقل أن تقطع مجموعة تافهة من عمال النظافة هذا الطريق وتعطل حياة البشر المهمين وتؤخر وصولي الى أهم الاذاعات في المدينة لكي أفضح الفاسدين وأقضي على الظلم بلساني!
بعد أن نظر إليهم بنظرة أحتقار تقلل من قيمتهم وتجعلهم يشعرون أنهم حشرات أو دون ذلك، سكت أبو ثورة ، استدار الباص ودخل في الطريق الفرعي ثم حل الصمت من جديد وبدأ ركاب الباص بالنزول في الطريق واحداً تلو الآخر.
وصل الباص الى مكان قريب من مكان عمل أبو ثورة فنهض بطلنا الثوري من كرسيه وتحرك بأتجاه الباب للنزول ولكن قبل نزوله حدث شيء.
مراهق يجلس في آخر الباص نادى ابو ثورة : عمو عمو ممكن احجي شي ؟
ابو ثورة : تفضل عمو.
المراهق : سامع عبد الرزاق عبد الواحد شيگول ؟
ابو ثورة : سامعله هواية عمو بس اي شعر من اشعاره تقصد.
المراهق : يكول
هذي التي المُثلُ العليا على فمها - وعند كل اختبار تبصقُ المثلُ
لطمت أمواج الحيرة والخجل أبا ثورة ، لكنه تبلّدَ، واصل طريقه للمحطة الاذاعية وأستمر ببث برامجه الثورية و العيش بأسلوي حياة ثوري.
-
كم ابا ثورة صادفت في حياتك ؟
الجمعة، 9 أكتوبر 2015
أبو ثورة الانتفاضي
الثلاثاء، 6 أكتوبر 2015
الشعوذة في عصر العلم...العالم الجليل علي منصور الكيالي
المشعوذ في هذا الزمان قد لا يأتيك على شكل عجوزٍ شوهت الوشوم وجهها، تضع أمامها عدداً من الحصى وتسألك عن أسم أمك ولا على شكل رجل كبير بالسن لحيته بيضاء ويضع أمامه كرةً زجاجيةً كما تصوره أفلام الكارتون ولا على شكل رجلٍ متوسطَ العمر ، لحيته سوداء ، يستعمل السواك بين نفس وآخر ويدعي أنهُ يشفي الأمراضَ بلمسة او بأشياء يسميها خلطات
عشبية ويبعها بأسعار باهضة لوجه الله!
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)
